أحمد بن محمود السيواسي
328
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 109 ] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) ( لا جَرَمَ ) أي حقا ( أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) [ 109 ] أي المغبونون . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 110 ] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) وفي قوله ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ) « 1 » دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك ، وهم عمار وأصحابه ، واللام فيه للاختصاص « 2 » ، أي هو ناصر لهم لا عدو لهم كما كان عدوا لهؤلاء الكفار لهجرتهم « 3 » ( مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) مجهولا ، أي عذبوا ومنعوا من الإسلام ، يعني عذبهم أهل مكة بالإكراه على الكفر ، وقرئ معلوما « 4 » ، أي فتنوا الناس وأوقعوهم في الضلالة أو أنفسهم بعد الإسلام ، قيل : نزلت في شأن أبي السرح وكان أخا عثمان لأمه حين ارتد ، ثم أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه « 5 » ( ثُمَّ جاهَدُوا ) مع النبي عليه السّلام في سبيل اللّه ( وَصَبَرُوا ) على الإيمان والهجرة والجهاد ( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) أي بعد تلك الفتنة والهجرة والصبر ( لَغَفُورٌ ) لذنوبهم ( رَحِيمٌ ) [ 110 ] بادخالهم الجنة . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 111 ] يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) قوله ( يَوْمَ تَأْتِي ) ظرف ل « رَحِيمٌ » أو لفعل مقدر ، أي اذكر يوم تحضر ( كُلُّ نَفْسٍ ) أي إنسان ( تُجادِلُ ) أي تخاصم وتعتذر ( عَنْ نَفْسِها ) أي عن ذاته لا يهمه شأن غيره ، بل يشتغل بالاعتذار عن نفسه ، وهو المراد بالجدال ، فيقول « 6 » ما أشركت أنا ولا عصيت أو يقول هؤلاء أضلوني عن طريق الحق ، وفي نفسها إضافة الشيء إلى نفسه ، وتأويلها : أن المراد من النفس الأولى الجملة كما هي ، ومن الثانية العين وهو غيرها ، كأنه قيل تجادل عن ذاتها ، والذات أعم منها ( وَتُوَفَّى ) أي توفر ( كُلُّ نَفْسٍ ) سواء كانت فاجرة أو صالحة ( ما عَمِلَتْ ) أي جزاء عملها في الدنيا من خير أو شر ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [ 111 ] بالنقص عن حسناتهم ولا بالازدياد على سيئاتهم ، قيل : يكون ذلك إذا زفرت جهنم زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول : يا رب لا أسألك إلا نفسي « 7 » ، أي أريد خلاص نفسي لا غير ، وروي : « أن الروح تخاصم الجسد يوم القيامة فيقول الروح : يا رب ! لم يكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها ؟ ويقول الجسد : يا رب ! جعلتني كالخشب اليابس لا يتحرك بنفسه من جانب إلى جانب ، ولا يقدر على شيء فيضرب اللّه لهما مثل الأعمى والمقعد فيعذبان معا » « 8 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 112 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ) أي شبها لمن أنعم اللّه عليه فأبطرته النعمة فكفر وتولى ( قَرْيَةً ) أي بقرية هي مكة أو أيلة ( كانَتْ آمِنَةً ) لا يهاج أهلها ولا يغار عليها ( مُطْمَئِنَّةً ) أي قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب ( يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً ) أي واسعا ( مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) يعني يحمل إليها من البر والبحر ( فَكَفَرَتْ ) أي طغت ( بِأَنْعُمِ اللَّهِ ) جمع النعمة بعد طرح التاء منها كدرع وأدرع ، روي : « أن أهلها كانوا
--> ( 1 ) أي هو ناصر لهم لا عدو لهم كما كان عدوا لهؤلاء الكفار ، + م . ( 2 ) دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك وهم عمار وأصحابه واللام فيه للاختصاص ، ب س : - م . ( 3 ) أي هو ناصر لهم لا عدو لهم كما كان عدوا لهؤلاء الكفار لهجرتهم ، ب س : - م . ( 4 ) « فتنوا » : قرأ الشامي بفتح الفاء والتاء ، والباقون بضم الفاء وكسر التاء . البدور الزاهرة ، 183 . ( 5 ) عن الحسن وعكرمة ، انظر البغوي ، 3 / 452 - 453 . ( 6 ) فيقول ، ب م : فتقول ، س . ( 7 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 253 . ( 8 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 453 - 454 .